أحمد بن محمد القسطلاني
460
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بأفعاله الحسنة التي يتلبس بها في الحياة الدنيا . ورواة هذا الحديث : كلهم بصريون ، لكن داود مروزي ، تحول إلى البصرة . وهو من أفراد المؤلّف . وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي والتحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه أيضًا في الشهادات ، والترمذي في : الجنائز ، وكذا النسائي والله أعلم . 87 - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } [ الأنعام : 93 ] َالْهَوْنُ هُوَ الْهَوَانُ . وَالْهَوَانُ الرِّفْقُ ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [ التوبة : 101 ] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [ غافر : 45 ] . ( باب ما جاء في عذاب القبر ) قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوته ، وأجمع عليه أهل السنة ، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ، أو في جميعه على الخلاف المعروف ، فيثيبه ويعذبه . وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله ، واعتقاده . ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه ، كما يشاهد في العادة ، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر . كما أن الله تعالى يعيده للحشر ، وهو سبحانه وتعالى ، قادر على ذلك ، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب . فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره ، قال في مصابيح الجامع : وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر ، حتى قال غير واحد : إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين . قال أبو عثمان الحداد وليس في قوله تعالى : إ { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } [ الدخان : 56 ] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر ، لأن الله تعالى أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة ، وليست مرادة بقوله تعالى : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } [ الدخان : 56 ] فكذا حياة المقبور قبل الحشر . قال ابن المنير : وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبت حياتهم ، لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } [ غافر : 16 ] ويلزم تعدد الموت ، وقد قال تعالى : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } [ الدخان : 56 ] الآية ، والجواب الواضح عندي أن معنى قوله تعالى : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ } [ الدخان : 56 ] أي ألم الموت فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه البتة ، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال ، وما وضع العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه لا باعتبار كونه ضدّ الحياة ، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضدًّا يعدمها به لا يسمى ذلك الضد موتًا ، وإن كان للحياة ضد ، جمعًا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية . اه - . وقد ادعى قوم عدم ذكر عذاب القبر في القرآن ، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد ، فذكر المصنف آيات تدل لذلك ردًّا عليهم فقال : ( وقوله تعالى ) بالجر عطفًا على عذاب ، أو بالرفع على الاستئناف ( { إذ الظالمون } ) ولأبي ذر ، وابن عساكر : { ولو ترى إذ الظالمون } جوابه محذوف ، أي : ولو ترى زمن غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا ( { في غمرات الموت } ) شدائده ( { والملائكة باسطو أيديهم } ) لقبض أرواحهم أو بالعذاب ( { أخرجوا أنفسكم } ) أي : يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليطًا وتعنيفًا عليهم ، فقد ورد أن أرواح الكفار تتفرق في أجسادهم ، وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج ( { اليوم } ) يريد وقت الإماتة لما فيه من شدة النزع ، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له الذي فيه عذاب البرزخ والقيامة ( { تجزون عذاب الهون } ) [ الأنعام : 93 ] . وروى الطبري ، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس { والملائكة باسطو أيديهم } قال : هذا عند الموت ، والبسط الضرب ، يضربون وجوههم وأدبارهم ( الهون ) بالضم ، ولأبي ذر : قال أبو عبد الله أي البخاري : الهون ( هو الهوان ) يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة ، وأضافه إلى الهون لتمكنه فيه ، ( والهون ) بالفتح والرفع : ( الرفق . وقوله جل ذكره : ( { سنعذبهم مرتين } ) بالفضيحة في الدنيا ، وعذاب القبر ، رواه الطبري وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط ، عن ابن عباس بلفظ : خطب رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة ، فقال : أخرج يا فلان فإنك منافق . . . فذكر الحديث . وفيه : ففضح الله المنافقين ، فهذا العذاب الأول . والعذاب الثاني ، عذاب القبر ، أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ، ثم عذاب القبر ( { ثم يردون إلى عذاب عظيم } ) [ التوبة : 101 ] في جهنم . ( وقوله تعالى : { وحاق بآل فرعون } )